الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

111

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وفي قوله تعالى : وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ [ البقرة : 214 ] فإن قول الرسول ليس غاية للزلزلة ولكنه ناشئ عنها ، وقد مثلت حالة الكافرين في ذلك الحين بأبلغ تمثيل وأشدّه وقعا في نفس السامع ، إذ جعلت مفرعة على فتح يأجوج وماجوج واقتراب الوعد الحقّ للإشارة إلى سرعة حصول تلك الحالة لهم ثم بتصدير الجملة بحرف المفاجأة والمجازاة الذي يفيد الحصول دفعة بلا تدرّج ولا مهلة ، ثم بالإتيان بضمير القصة ليحصل للسامع علم مجمل يفصله ما يفسّر ضمير القصة فقال تعالى : فَإِذا هِيَ شاخِصَةٌ أَبْصارُ الَّذِينَ كَفَرُوا إلى آخره . والشخوص : إحداد البصر دون تحرك كما يقع للمبهوت . وجملة : يا وَيْلَنا مقول قول محذوف كما هو ظاهر ، أي يقولون حينئذ : يا ويلنا . ودلت ( في ) على تمكن الغفلة منهم حتى كأنها محيطة بهم إحاطة الظرف بالمظروف ، أي كانت لنا غفلة عظيمة ، وهي غفلة الإعراض عن أدلة الجزاء والبعث . و يا وَيْلَنا دعاء على أنفسهم من شدة ما لحقهم . و بَلْ للإضراب الإبطالي ، أي ما كنا في غفلة لأننا قد دعينا وأنذرنا وإنما كنا ظالمين أنفسنا بمكابرتنا وإعراضنا . والمشار إليه ب ( هذا ) هو مجموع تلك الأحوال من الحشر والحساب والجزاء . [ 98 - 100 ] [ سورة الأنبياء ( 21 ) : الآيات 98 إلى 100 ] إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ ( 98 ) لَوْ كانَ هؤُلاءِ آلِهَةً ما وَرَدُوها وَكُلٌّ فِيها خالِدُونَ ( 99 ) لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَهُمْ فِيها لا يَسْمَعُونَ ( 100 ) جملة إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ جواب عن قولهم يا وَيْلَنا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا [ الأنبياء : 97 ] إلى آخره . فهي مقول قول محذوف على طريقة المحاورات . فالتقدير : يقال لهم : إنكم وما تعبدون من دون اللّه حصب جهنّم . وهو ارتقاء في ثبورهم فهم قالوا : يا وَيْلَنا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا [ الأنبياء : 97 ] فأخبروا بأن آلهتهم وهم أعزّ عليهم من أنفسهم وأبعد في أنظارهم عن أن يلحقهم سوء صائرون إلى مصيرهم من الخزي والهوان ، ولذلك أكد الخبر بحرف التأكيد لأنهم كانوا بحيث ينكرون ذلك .